دراســة فى بلاغة النص (رواية محلى ومارينز لميلود بنباقى) بقلم د. إبراهيم عبد العزيز زيد




(رواية محلى ومارينز للأديب المغربى ميلود بنباقى)

 

دراســة فى بلاغة النص

 

بقلم

 

د. ابراهيم عبد العزيز زيد

 

 

يتناول ميلود البنباقى فى روايتة (محلى ومارينز) الصادرة من مركز نهر النيل للنشر بمصر 2008م صورة من صور الاستعمار الموجود بالمنطقة العربية ، أعنى الاحتلال الأمريكى للعراق ، أى إن الرواية تتجة إلى الموضوع الأيثر الذى أحتضنته الرواية العربية منذ بواكير نشأتها ، أعنى علاقة الشرق بالغرب المستعمر ، حيث الأنا فى مواجهة الأخر إلى (أخرى) فى السياحة الذى جسد فية الروائيون الأزمة من خلال بطل شرقى ذكر فى مقابل بطلة غربية أنثى سواء أذهب الذكر إلى الأنثى فى موطنها ، كما فعل بهاء الدين الطور فى روايته البعيدون ، أو وفدت الأنثى إلى موطن البطل كما فعل سليمان فياض فى روايته أصوات

 

لكن مالاتخطئه العين المتابعة للمشهد الروائى فى السنوات الأخيرة هو الانصراف بهذه العلاقة التقليدية إلى مواجهة جديدة بين (الانا) فى مقابل الأنا المتحولة إلى أخر ، أعنى الأنا المؤمنة بقيم الأخر ومبادئة فى سياق عام يدرك أن الأزمة الحقيقية الأنا فى أعدائها القابعين وراء الضلوع وليس الرابطين وراء الحدود

 

وهو ما يكشف عنة أولى عتبات النص الروائى موضع القراءة ، أعنى العنوان  ( محلى ومارينز ) فالعنوان بهذه الصيغة يأتى فى سياق عطف مفردتين هما (   محلى ومارينز ) وايا كان التقدير الإعرابى للكلمة الأولى يبقى أن نقول مع البلاغينين أن العطف بالواو يفيد معنى التشريك فى تحكم ، ويعتبر عبد القاهر " لايتصور إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع الإشراك فية "

 

فالعطف بين محلى ومارينز إما أن يكون عطف متقدم على متأخر أو عطف متأخر على متقدم أو عطف مصاحبة ، ولكل دلالاتة

 

فإذا ما تتبعنا دلالات هذا العطف فى الرواية أدركنا منذ بدء الرواية أن (محلى ومارينز) هما وجهان لعملة واحدة ، لأن المحلى  المقصود فى الرواية هو صورة الأنا المتحولة إلى أخر بقيمة ومبادئه وسلوكة وأفعالة ، فهو يقلده فى ملابسة وسكناتة وحركاتة ، يقول الرواى :

 

" يصعب تمييز بين الاثنين . نفس الاحذية والخوذت والبدلات . نفس الرطانة والحركات . نفس الوقفة ونقس الإمساك بالرشاش . نفس النظارات السوداء . نفس الحقائب الصغيرة على الظهر . سروال يغوص فى حذاء طويل وعلكة بين الاسنان "  ص 18

 

وباختلاف المنظور الروائى يتم تحديد نوع العطف ، فمن منظور (احمد) صورة الأنا المحولة إلى أخر ، الجندى الذى انضم إلى المارينز ، يبرز دور المصاحبة بينة وبين المارينز فيقول الراوى

 

" يلمع حذاءه فى الصباح والمساء . يمسح نظارتة الرابين بخرقة مبللة . يتباهى بالجيش الجديد .. نحن مارينز عربى " ص 20

 

وتستمر دلالة الجهة الجامعة للعطف بين محلى ومارينز من منطلق المصاحبة من منظور احمد بتأكيدة تطابق الصفات بينهما على مستوى الشكل وعلى مستوى الاعتقاد بامتداحة بسلوك المارينز وامتداح القائمين علية ، يقول الراوى

 

" يلمع حذاءه ويمسح نظارتة الرابين بخرقة مبللة ينتهى من السروال ويصل للخوذة يمتدحها ويقول الله يرحم والدين من صنعها . صلبة مثل الحجر وأنيقة فيها ذوق وموضة وفن إحساس . نلبسها ونلبس النظارات مايميزنا أحد إن كنا مارينز أو محليين . تحمى الرأس وترفع الرأس وتجعلك تمشى بدون خوف " ص 22

 

أى إن العطف من منظور احمد هو عطف مصاحبة طالما أنه يصعب التمييز بينهما لتطابق الصفات ، أو قد يكون من منظوره ايضا عطف متقدم على نتأخر يقول احمد :

 

" المارينز مايعرف وين يحط القدم إذا ما سرنا معه ، نتقدم وهو فى الخلف يتبعنا ، يسأل ونحن نجيب ، يسمح وما يفهم ، نترجم له ونفهمه"ص 22

 

فإذا انتقلنا إلى منظور أخر منظور الشخصية التى تماسل الأنا ، يقول سمير روا على احمد " يقدمكم للموت ويتأخر " ص 22 أى إنة يتقدم لنظالا رتبة وهو المنظور الذى يتنبأه الراوى منذ الجملة الأولى ، يقول

 

" بعقد رجلة اليسرى يحك مقدمة الرجل اليمنى " ص 3 حيث ترمز الرجل اليسرى إلى الماريينز والرجل اليمنى إلى المحل ، ويتخذ الراوى من تكرار هذه الصورة على طول الراوية مؤشرا لغويا ينطلق من خلاله تكشف تداعيات أخرى لعلاقة المحلى بالمارينز وكلما أخلص المحلى فى تمجيد أفعال المارينز كلما اكتسب المارينز مصداقيتة ، هذا النمط من الحكاية التكرارية فيها دلالة جديدة مع كل مرة المرات الاثنتى عشرة التى تفكر فيها ، ففى الوقت الذى افتتحت فية الرواية بعبارة .. بعقد رجلة اليسرى يحك مقدمة الرجل اليمنى منبهة إلى الصور المرتبطة بهذه الحركة ، يتم وصف هذه الحركة باللإإرادية تأكيدا امتلاك المارينز القدرة على تحكم فى المحلى ، يقول :

 

" عقد رجلة اليسرى يحك مقدمة الرجل اليمنى فى حركة لاإرادية "

 

ويتم تعميق أبعاد هذه الحركة من خلال ربط هذه الحركة بالشخصية (منصور) الذى يرقب المشهد الذى يتحول فية المحلى إلى المارينز .

 

" ويحك قدمية اليمنى برجلية اليسرى فى حركة لاإرادية ، ربما كان الأموات الأخرون يفعلون ذلك مثلة أو أكثر من ذك ربما كانت هذه الحركة هى الدليل القاطع على موته " ص 14

 

وهو مايؤدى إلى تطلع الشخصية منصور فى البحث عن أنه التى أخذت فى التحول :

 

" رأى نفسه يسقط ويعتبر ويفقد خردة حذائه اليسرى " ص15

 

ويمكننا تتبع بيئة التكرار هذه لكنها تظل ناقصة إذا لم ندركها من خلال الصورة التى يتشكلها من خلال هذا النمط من التردد.

 

لكن نتيجة التى أودد أن أؤكدا فى ضوء ما سبق هو سعى الرواية إلى رصد صورة الأنا المتحولة إلى أخر فى سياق مجاورة أو تداخل مع الأخر (المارينز ) ،وهو مايعنى أن عتبة النص الأولى العنوان (محلى ومارينز) فيها سيطرة وذكر للأخر فى مقابل حذف للأنا وتأكيد لبنية الحذف والذكر هذه سيتم إعلان صورة (الأخر المحلى) فى مقابل تقويص صورته قبل التحول ، أى طمس هوية الأنا فيه ، وهو مايمكن أن نمثل له بالمشهد الذى يقف فية (احمد / المارينز العربى) فى نقطة تفتيش ، وخلفة جيش المارينز بدباباته وسيارته ، فى الوقت الذى يمر علية جاره منصور أثناء الخطة الأمينة ، وطالبه بإشهار هويته

 

" أعطنى هويتك . الخطة ماتستنى احدا ، لو مر أبى و أمى بهذه النقطة كنت فتشتهما ، وطلبت هويتهما ، الخطة هى الخطة

 

ياأحمد ياابن الجيرانى ياابن سليمان ، أنا أعرفك كما أعرف أبنائى وأنت تعرفنى كما تعرف نفسك من غير هوية ، أتركنى أمر الله يفتح عليك .... لوح أحمد بقبضة يده فى الهواء اقترب منه ولكزه بغقد الرشاش على صدره صاح " أعطنى الهوية " الهوية ماتفهم عربية ؟ ماتسمع ؟ لكزه ثانية شهق ، ضلوعه تنكسر .. انحنى جئا على ركبتيه وتألم ، راحت يده اليمنى يبحث فى جيوبه عن بطاقه الهويه قال له انخفض ارفع يديك وضعهما على رأسك ، لكنه مره اخرى فتش جيوبه وملابسه 0 0 رأى يده تمتد نحوه تعيد اليه هويته تتحسس الرشاش والخوزه , رآه يعود الى طابور المارينز ، ، ص27 ـ29 

 

يكشف هذا الاقتباس الطويل بعبارته الاخيره الى غياب صورة الأنا عند احمد فى مقابل صعود صورهة الأخر ، من ثم تبدو مقارنة منصور للصورتين احمد الطفل ابن جيرانه واحمد المراهق الذى يقف وسط جيش المارينز ، أقول تأتى هذه المقارنه رصدأ لمظاهر التحول :

 

"كبرت ياأحمد ، ونسيت ، مسحت أنفك بمنديلى ولويت آذان الاطفال وصفعتهم وضربتهم وأعطيتك أقلامى وحلوى ، صححت تمارينك ، وأشتريت لك فى عاشوراء بندقيه ، قبلت يدى وطرت من الفرحه جريت وقلت عمى منصور الله ينصره فرحنى واشترى لى بندقيه ماعدت عمك ياأحمد صرت تنادينى منصورأ ، صرنا أقرانأ " ص 30

 

ويتولى السرد تتقلص صورة الفريق / الند حيث يعلن فيها بتبعينه للأخر امتلاكه للسلطة المرتبطة بالقوة وليس المعرفة ، كما يتضح فى المشهد الذى يحاول فية (احمد) جذب أخية (على) للانضمام القوات المارينز ، يقول احمد

 

"أتوسط لك أخذك للثكنة وتدخل الجيش ، يصير للأسلاح ولباس ومرتب فى أخر الشهر ، تلبس الخوذة وتحمل القيبة .. وبين يديك رشاش أخر موديل وطراز .. ترفع إصبعك الصغير والسيارات الحكومية الفارهة تتوقف حتى الرسميون توقفهم وتفتيشهم ومايمرون إلا عندما تسمح لهم بالمرور ..ومايتذمر أحد لأنك فى الخطة ماتستنثى احدا ، تصير سيد الناس والكون .. إذا أعجبتك فتاة قديسة تقتحم بيتها .. بدون السلاح والبدلة ما تأكل الخبز ، الخبز بصيغة الرصاص فى هذا الزمن " ص 62-60

 

فكيف يأتى للأنا -  إذن مواجهة هذا الأخر فى صورتية الأصلية والمتحولة؟ لا تقدم الرواية بطلا تواجه به الأخر ، إنما قدمت مجموعة من الشخصيات تشكل فى مجملها صورة للأنا المقهورة ، فمنصور الروائى يعترضه احمد ويلكزة ولا يستطيع أن يكمل مشروعه الروائى ، وسمير وزوجتة مريم سليمان بحثا عن الأبن " رشيد " وأسرته ، وسليمان وبهيئة يفقدان ولديهما احمد المنطم لجيش التحرير ، وراشد الحسينى قادة تيهة إلى سوق لقى فية حتفة ، وهو يردد هذا حنوب .

 

هذه الشخصيات صورة للوطن فى تجلياتة المختلفة الراهنة ، فمشروع منصور هو مشروع الوطن ، ولأبن الضائع "رشيد" هو الوطن واحمد وعلى هما صورتان للسنة والشيعة ، وكل منهما يقضى على الأخر باسم الوطن ، يقول الراوى :

 

" احمد يقول جيش التحرير .و "على" يقول جيش التحرير احمد يلمع خذاءة ويمسح نظارتة الرابين تجرفة سوداء ويلوك العلكة . الحذاء الطويل يرفع قامتة ويعليها والخوذة ترفع رأسه و "على" مايبدو ثيابة وماسيتحم ومايتطلب ومايحلق ذقنة ، رائحه تدوخ وتقزز ووجهة مثل القنفد مغطى بالشوك ، مايلبس خوذة ومايلبس بدلة . هذا من جيش التحرير وذاك من جيش التحرير " ص 121

 

وراشد  الحسينى صورة من صورة المدينة الضائعة فى هذا الوطن "حرز متباعد بينها أهوال وبحار خرقة ممزقة ، كل قطعة فى واد ، وهو مايدرى إلى أى واد قذفتة الأرض المجنونة فى دوراها المسحور تحت  قدمية ، واخ واختنق " ص 83

 

ويظل التساؤل قائما كيف يتأتى للأنا إذن مواجهة هذا الأخر ؟ تتشكل قوة الأخر التى جذبت (المحلى) إلية من الأشياء ومفرادتها ( البدلة – الدبابات – العلكة – لحقيبة ) كما ترتبط الأنا ايضا بالأشياء فى مواجهة هذا الأخر على هذا الأساس يسعى ميلود بنباقى فى روايته إلأى تقديم نص الأشياء فى مساحة نصية تشكل محورا مهما من محاور الرواية تكون الأشياء ذات حضور فعلى فى الحركة القصصية تنتقل من مجرد الاستعمال الوظيفى إلى المستوى الرمزى (3) ، ويتيح موقع الراوى بضمير الغائب العليم بكل شئ رصد هذه الأشياء بصورة تكبر بافتراقه عن الروى (4) وإن ظهرت لدى الكاتب تقنية اخرى لا دلالتها ،اعنى ان يتحول الروى عنه راو فى السرد ففى الوقت الذى يتولى فيه الراوى ادارة الحوار بين سمير ومريم ، يترك السرد لسمير ، مما يعن تطابق منظور الراوى بسرد الشخصية:

 

" الولية كان معها حق ،انا بالغت شوية ، مازلت الناس تحيا الشمس تشرق من مشرقها وتغرب فى مغربها ، فتشونى وسألونى وتأملونى ،وما قطعوا رأسى وما شنقونى ،ووصلت لدار " رشيد "سليما معا فى ما مسنى سوء ولا ضر ، الولية كان معها حق" ص 37

 

أقول إذا كانت الأشياء  هى التى منحت للأخر قوته، فإن الرواية وفقا لتطابق منظور الراوى وسرد الشخصية تعمل دائما على مواجهة الأخر بالتقليل من قيمة هذه الأشياء أو ربطها بدلالات سلبية ، ومن هذه الأشياء.

 

-البدلة حيث يتم تصوير بدلة المارينز التى يرتديها المحلى بوصفها مهددة لفحولته ذكوريته ، فهى لاصقة للجسم ولا تناسب العربى ، وتأكيدا لهذا التهديد يأتى السرد على لسان أحمد

 

" نحن مارينز ،مارينز عرى، عندنا مشكلة واحدة ، زحيدة ، البدلة ، البدلة لا تناسبنا. لا تناسب خصوصيتنا وأجسامنا . خصوصا السروال. ضيق ولا صق على اللحم والعظم  ، يعوق الحركة ويضيق الخطو.. اجسادنا تعودت على النور والهواء وما تعودت على الضيق.. نحن قوتنا فى اردافنا ، وفى فحولتنا سبحان الله ما خلق الأرداف والفحولة إلا فى هادى الصحراء،الفحولة ما تحتمل سراويل ضيقة تنفر وتثور وتعمل مشاكل "ص20-21

 

وتأكيدا لهذا المنظور يرتبط به صورة أخرى وهو أن " يلوك مثل البنات علكة " وإن ظل الربط قائما بين ضيق الملابس وضيق الحال " ضيقوا السراويل وضيقوها علينا "

 

النموذج التانى هو الحقيبة الجلدية حيث يتم التقليل من قيمتها عن طريق التهكم بالنكهة " واحد محلى سأل واحد مارينز : ماذا تحمل فى حقيبة ظهرك ياأخ ؟ أجابة : أجمل صور عشيقاتى ، وأنت : رد المحلى : أحمل صور رئيس " ص 22

 

 

 

وتمثل الأشياء بالنسبة للأنا قوة رمزية فى مواجهة جبروت الأخر ، ويمكن أن نمثل لذلك بنموذج

 

اظل – ففى الوقت الذى يقع فية منصور تحت سيطرة الأخر فى نقاط التفتيش نجد ظلة " يسمير إلى جانبه يتجاوز الحواجز والنقط بسهولة ، يسبقة ، يقعد ينتظره على الرصيف ، عندما يسأم من الانتظار وينط بين أحذية الجنود يصعد فوق الدبابات والخوذات ويتشيطن ، يدخل فى المدافع ويخرج سالما إلا من رماد أسود يعلق بالرأس والكتفيين يتسلل للحقائب فوق الظهور ، يتفرج على الصور ويضحك ويغمزنى بعينية ، أغضب وأنحسر وأغمزله أقول بعينى ياابليس نحن فى حاجز ، وهولاء عسكر ماهم دمى ولا لعب صبيان عندهم مدافع ورشاشات ، لكزة واحد تكفى ، مايصدع رأسيه يطلق رصاص " ص56 فالظل يطلق رصاصا فى مواجهة العدو فى صورة كنائية لما يدور فى عقل سمير أو فى شعوره الكامن . وتستمر دلالات الظل فى النص الروائى ثرية ومتنوعه بارتباط بشخصية أخرى هى "على" مما لا يتسع الوقت لذكره الأن.

 

النموذج التانى

 

الصورة المعلقة على الحائط – ففى الوقت الذى تفقد فيه مريم ابنها رشيد ، أو يغيب فى ظل الاحتلا الأمريكى تستطيع هى أن تستدعية عن طريق صورته المعلقة على الحائط فى طفولتة رامزة إلى الوطن قبل أن يدنس :

 

" تراه فى الصورة على الجدار المقابل ، يبتسم ويهبط ، يلهو بأكمامها ويتوسد ركبتيها تمسد شعره ، الحرير ، يرخى جفونه ويفرك عينيه ، تقول له لا تنم حتى تتعشى ، تتركه ممددا على الكنبة وتنهض لتعود بالخبز والبطاطا والمربى هو ما يتعشى غير بالخبز والبطاطا والمربى ، وهى تطبخ الرز والفول والشعرية بالحليب ، يقول لها سمير ، لاتتبعى نفسك بالطبيخ هذا الولد مايأكل غير أكل النصارى .. يسمع صوت أمه وهى توقظه ومايسمع صوت أبيه " ص 105 ، 106

 

وتظل الصورة رمزا للمقاومة حتى تعود لطبيعتها الأولى " صارت حمارأ لا حس له ولا حركة ، وما تتحرك وما يهبط منها رشيد " ص 156

 

ويمكن تتبع دلالات " الصورة المعلقة على الحائط " فى المقهى من منظور كنائى أيضا فى دراسة أخرى

 

النوذج الثالث هو

 

الكرسى – فالكرسى فى المقهى هو ذلك الوطن الذى يتطالب الكثيرون للجلوس علية ، وأن هذه الأجسام المترهلة علية ، يقول الراوى واصفا منصور على الكرسى " يسند جسده المتهالك على ظهر الكرسى ، يئز تحته فيما يشبه الأثنين ، يعلمه أن تعب من جسمه ، ومن كل الأجسام المترهلة المسترخية التى تشبه جسمه .. ما ينهض زبون من فوقه إلا ليعقبه بزبون ، وما تتحرر أنفاسه دقيقة أو دقيقتين إلا ليخنق الساعة ، الأيام تدور والليالى تدور . وهو هو المسكين الجماد " ص3  ويظل أنين الكرسى على صموده فى مواجهة الأعداء ، من ثم يمتلك الكرسى الحياة والبقاء ، الكل يموت لأنهم خدعة أما هو فيبقى " افتضحى سر الخدعة ، فقدت تشويقها وغرابتها انتهت وماتت . هو مات الكرسى وحده حى فى هذا المكان ، لأنه يئز تحت جسد المتهالك . هو ميت رغم أنه يحتسى القهوة ويتضح الجريدة ويحك قدمه اليمنى برجلة اليسرى فى الحركة لا إرادية " ص14

 

وبافتقاد الكرسى لهذا الأثنين يفقد هو الأخر دلالاته فى المقاومة " تماما فوق الكرسى الكرسى ما أزتحت ثقل جسده ، رماه بنظرة استغراب ، وقال له : مالك ياصحبى ؟ قطعوا لسانك أو لكزوك فانكتمت أنفاسك ؟ .. قتله الصمت وحياد الكريى . قتلته اللوحتان على الجدار المقابل . نفض الغبار سجائره ونخفض ص 131

 

وتستطيع الرواية عن هذا الكرسى يالتناص مع " أية الكرسى " مره عندما يقرأها سمير وهو على سطح بيته بعد فقدان الوطن ، ومرة ثانية فى دعاء مريم مستنجدة برب العالمين فى مواجهة الأخر "

 

تقول يارب ، ياعلى كل شئ قدير ، خلقت الارض والسموات فى ستة أيام ، ولا يؤودك حفظها وأنت العلى العظيم يالله ، إخلق لأمريكا ارضا أخرى وسماوات أخرى فى ستة أيام أو أقل ، ودعها تمرح وتسرح فى أرضك الجديدة الواسعة وما يمرح ولا يسرح معها فى تلك الأرض أحد" ص107

 

ويضيق المقام عن تناول كل دلالات الأشياء فى نصف الروائى ، فهو يحتاج لدراسة مستقلة ، لكن يمكن القول أجمالا أن الأشياء عن طريق المجاز المرسل نوعا من شئ الواقع ، وبالتالى تصبح أدوات فى مواجهة الخطر الكامن من الأخر ، كما يتضح من ترويد الجدران والحوائط لموقف الأنا المتأزمة ، لما يتضح فى هذا المشهد الراشد الحسينى

 

" وضع ما انتشلتة يداه من الروم على الدولاب ، وصاح : هذا جنون . رددت الجدران : هذا جنون . خرجت زوجه من المطبخ مذعورة . صاحت : هذا جنون . وكذلك فعل الأثاث وكل مامن كان فى الدار فى تلك الحظة ... ومنصور عندما قادة ضجر إلى المقبرة والتقى صديقة القديم على تللك الشاهدة .. أجهش وصاح : هذا جنون " ص 86/82 . هذا التوحد بين الإنسان والأشياء ، هو الذى جعل سمير يبحث عن ( رشيد / الأبن / الوطن ) فى المرايا والمشارح والهياكل كل السيارات والأشجار والأعمده الكهربائية والأرصفه ص 100

 

وفى الوقت الذى تسعى فية الرواية لنقل الشئ من الوظيفة إلأى الرمز ، يقدم لنا الكاتب مفارقة تصويرية عندما تفقد الأشياء قيمتها الوظيفية  ، ففى لبوقت الذى يمثل التليفون فية صورة للثورة التكنولوجية ويتم خلاله التواصل مع الأخرين ، يفقد وظيفة التواصلية ، عندما يعجز عن ربط رشيد بأمه ، ويعجز عن إسعاف بهية :

 

" رأى قدميها تنزفان ، احتبس دمعه فى عينية وقف وصاح : سيارة إسعاف إسعاف .. رددت الجدران وأثاث البيت : سيارة إسعاف إسعاف ، رفع التليفون فجأه صمت فخر وحياه قاتل قال له : رد على ، قال الخطوط مقطوعه انا بردان مثل الثلج ما فى حرارة ، خبطه على الأرض " ص135/136

 

وبافتقاد الأشياء لقيمتها وتبدد من منظور الراوى مثل الحياة " تفقد الأشياء قيمتها وتبدد الحياة تافهة مثل جناح مكسور سقط من ذبابة وغطاه التراب " ص 87 . وهو مايعنى امتلاك الأخر للحياة لذلك تتجه الأنا لامتلاك (الموت) وجيوبنا فيها موت .. " ص 19

 

لذلك عندما يفقد منصور قيمة الحياة والأشياء يتجه إلى جسور المدينة فى تناص مع إيجازه بالغ الثراء مع إى ضعف المنصور ، لأن السكوت فى النص يكشف عن دلالات المفارقة بين الدينة المدورة التى يتباها أبو جعفر المنصور وسماها مدينة (السلام) وبين المدينة والدورة التى فقدت قيمتها " مدينة تفتح عينيها إلا إذا الموت فتح عينية قبلها " ص 65

 

لكن ما يعنينى أن الجسر الذى سيعبره منصور سيتجه به إلى المقابر وإلى الموت ، وهناك لا يوجد مارينز ولا مارينز عربى ولا خطة أمنية ، وبامتلاكه هذه الحقيقة استطاع أن يعود إلى بيته

 

"جمع أغراضه وأغراض زوجته فى حقيبة واحده نصيبها من مدينة لا تسمح بمرور أكثر من حقيبة يد صغيرة " ص 157

 

لكن الحقائب ستتكاثر والأيادى ستتكاثر عندما تجمع الحافلة بين سمير ومنصور وسليمان وبقية ومريم وأخرون

 

"يد ويد ويد .. يصعدون إلى الحافلة يهدر المحرك وتدور العجلات ويتحسسون وثائقهم .. يتحسسون وجهتهم : حواجز عسكرية وخاطفون يغيرون اتجاه الحياة " ص 158

 

تلك قرءة أولى فى رواية ميلود بنباقى " محلى ومارينز " تظل مغرية بالتناول من جوانب أخرى على مستوى الوصف واللغة ورؤيتها للعالم.

 

الاحلات المرجعية

 

-   يدين البحث بالفضل لأساتذتى الأجلاء الذين طرحت عليهم بعض أفكارى حول الرواية وهم : د. احمد يوسف على ، د. عبد الرحيم الكردى ، د.مجدى توفيق ، د. شكرى الطوانسى

 

1.  انظر : جورج طرابيشى ، صورة الأخرى فى الرواية العربية ، ضمن كتاب .. صورة الأخر العربى ناظرا ومنظورا إليه .. تحرير الطاهر لبيب ، منشورات مركز درات الوحدة العربية بيروت 1999م

 

2. عبد القاهر الجرحانى ، دلائل الإعجاز ، قرأه وعلق علية محمود شاكر ، هيئة الكتاب ، مصر 2000م . ص 224

 

3.   انظر : مصطفى الطبع ، الأشياء وتشكيلاتها فى الرواية المغربية ، مجلة فكر ونقد ، ع 53

 

4.   مصطفى الضبع ، نفسه . وأنظر للباحث ، السردفى التراث العربى قيد الطبع بدار عين للنشر ، القاهرة

 

5. راجع الامتدار لهم ، أوراق بغداد ، اختيار وتقديم عبد الحكيم راض الهيئة العام لقصور الثقافة مصر ، 2003م

 

 








اتصل بنا