"دقات القلب الميت" الفصل الأول من رواية ماء الحياة للأديب إبراهيم سعد الدين




دقـات القلب الميت


 

كُلُّ من سَمعَ بالحِكاية قال وهو يَضْرِبُ كَفّاً بِكَفّ: جُنَّ الرَّجُلْ..!!.

 

وإلاّ فمَنْ كان يُصدّقُ أنّ الحاجّ عبد الغَفّار العاقِل الكَامِلْ الذي يَعْرفُ اللّه ويَخْشَى العَيْبَة ـ يفْعلُ فِعْلةً كهذه..؟ ولأجْلِ مَنْ..؟! بِنْت فَرْدوسْ.. العقْرَبة التي نفَثَتْ سُمّها في هذا البيْتِ الشّريفْ..؟!.

 

بَعْدَ أن فَرَغَ النّاسُ من صَلاةِ الجُمعةِ في جامعِ سيّدي الأنصاري، صَعَدَ على المِنْبَرِ ووقفَ لهُمْ ـ وَقْفةَ الحَجّاجِ في زمانه ـ وصاحَ فيهمْ بأعلى صَوْته وبالفَمِ المَلْيانْ: يا أهْلَ بَسْيونْ.. فلْيُعْلِم الحاضِرُ منْكم الغائبْ.. أنا لا آتي الفحْشاءْ.. ولا أفعَلُ مُنْكَراً.. أنا أتَزَوّجُ على سُنّةِ اللّهِ ورَسوله.. والشَّرْعُ قالَ مَثْنى وثُلاثاً ورُبَاعاً.. من كانتْ عنْدَه كلمةٌ فَلْيَقُلْها في حضوري حتّى أرُدّها عليْه.. ومَنْ كانَ له دَيْنٌ في عنقي فَلْيُظْهِرْهُ حتّى أفيَهُ حَقّه.. ومَنْ لا كِلْمِةَ عنده ولاَ حَقَّ لَه فَلْيَطْوِ لسانه في حِلْقه ويُطْبق فَمَهْ. اللّهُمَّ إنّي بَلّغْتُ فاشْهَدْ.. اللّهُمَّ فاشْهَدْ..!!.

 

ونَزَلَ من فوقِ المِنْبَرِ مُتّخِذاً سبيله بين صفوفِ المُصَلّين الذين اعتراهم الذّهولُ وأخَذَتْهُم الغاشية.

 

·             

 

مُقَدَّرٌ ومَكْتوبْ..!! البَيْتُ الذي ظلَّ مَسْتوراً طولَ حَياته انْكَشَفَ سَتْرُه وأصبحت سِيرِتُه على كُلِّ لِسانْ. لم يَسْلَمْ حتّى من ألسنة الصِّغارِ فارْتَجلوا أُهْزوجَةً يُطلقونها في الشّوارعِ والحاراتِ ليْلَ نهارْ؛ يُشَيِّعونه بها وهم يركضون وراءه كما يفعلُون مع بُلهاءِ القريةِ ومجاذيبها. هَكذا..؟! حتّى تَعُمَّ الفَضيحةُ وتَكْمُلُ الجُرْسة..؟! هَكذا على آخرِ العُمْرِ يا مَنْ كُنتَ زينةَ الرّجالِ وفخْرَ العائلة..؟!. وأنتِ يا فَرْدوسْ.. لَمْ تَجدي مِنْ بيْنِ رجالِ الحسَايْنة كُلّهمْ غَيْرَ رَجُلي أنا لِتُنفذي فيه سَهْمَكِ..؟! لَمْ تَجَدي غَيْرَه أُضْحِيَةً تُوَفِّين بها نَذْرَكِ..؟! سَنواتُ العُمرِ الطَّويلة بكُلِّ نوائبِها وتَقَلُّباتها لمْ تَغْسِلْ قَلْبَكِ من أدْرانه..؟! ويَدُ المَوْتِ التي تَخَطَّفتْ فَلذاتِ أكبادِنا لَمْ تُبْرِدْ نارَكِ..؟!.

 

كانت جالِسَةً مُتَرِبِّعَةً على حصيرةِ الصَّلاةِ خَدُّها على باطِنِ يَدِها. وكان هو قد أحْكَمَ لَفَّ لاسَتِه حول طاقية رأسه وتهيَّأ للخروج. رَفَعَتْ رأسَها فبانَ أثَرُ الاحْمرارِ على خَدِّها الأبيض.

 

ـ على فين العَزْم الجُمعَة دي.. يا حاجّ..؟!

 

طالَعها بِوَجْهِ طِفْلٍ جَاوَزَ السِّتِّين وعَيْنَيْ يتيمٍ فاقِدِ الأبَوَيْن:

 

ـ زَيِّ كُلّ جُمْعَة..

 

ـ وجامع الخِرْبِتَاوي مِشْ أقْرَبْ لَكْ يا حاجّ..؟!

 

ـ إيهْ.. كُلّ خَطْوَة للجامع بِحَسَنة يا حاجَّة..

 

ـ وكُلّ خَطْوَة لدار فَرْدوسْ بِحَسَنَة بَرْضُه يا حاجّ..؟!

 

طَالَعَها بِذاتِ الوَجْهِ الذَّابلِ المُنطَفِئ، وبِعَيْنَيْنِ ضَارِعَتَيْن ضَراعةَ مَنْ بَرَّحَ به العَذابُ ويَلتَمسُ الرَّحْمَة، مُنْكَسِرَتَيْن انْكِسارَ طَيْرٍ حَبيسٍ سُدَّتْ في وجْهِهِ سُبُلُ الخَلاصْ. انْسَلَّ خارجاً في صَمْت. وعادتْ هي فأسْنَدتْ رَأسَها على يَدِها. في قَلْبِها وجَعُ الأمِّ الثَّكْلى وجُرْحُ الأُنْثَى المَطْعونَةِ في كِبْرِيَائها، وعَجْزُ وليفٍ عُقِدَتْ سَاقُه إلى سَاقِ إلْفِه بَطرفِ خَيْطٍ واحدٍ في قَفَصٍ مُغْلَق. تنَهَّدَتْ مَكْروبَةً وفَوَّضَتْ أمْرَها إلى اللَّه، وحين شَعُرت بِبلولةِ يَِدها تَحتَ خَدِّها نهضَتْ لتتَوضَّأ ثانيةً، غيْر واثقةٍ مِنْ أنَّ الدُّموعَ تنْقُضُ الوضوءْ.

 

·             

 

إبْكِي يا أُمَّ صابر. إبْكي. في البُكَاءِ عَزاءٌ وسَلْوَى. والدُّموعُ تَغْسِلُ القَلبَ وتُبْرِدُ حُرْقَتَه. لكنَّها لا تُداوي جُرْحاً ولا تُطْفئُ ناراً. تَظَلُّ جَمْراً حيّاً تحتَ الرَّمادِ أقَلُّ نَسْمةِ هواءٍ تُذْكيه فتَسْتَعرُ نارُه حارقَةً كاويَةً في الحَشَا. وادْعي في صَلاتِِكْ. تَضَرَّعي إلى اللَّه أن يَرفَعَ عَنّا هذا البَلاءَ ويُزيحَ الكَرْب. لَعَلَّ دُعَاءكِ أنتِ يُسْتَجابْ. لا تَعْرفين ولا أحدَ يَعرفُ أنِّي أبْكي مِثْلَ بُكائكِ وأكْثَرْ. وأدعو مثلَ دُعائكِ وأكْثَرْ. لا أخِتمُ فَرْضاً من فروضِ الصَّلواتِ الخَمسِ إلاَّ مُبْتَهِلاً للَّه الواحد القَهَّار؛ المُعِزِّ المُذِلّ. أقول يا رَبّ: إنْ كان هذا ابْتِلاءً فالْهِمْني الصَّبْرَ لأقْدِرَ عليه، أو كانَ قضاءً فأسْألُكَ اللُّطْفَ فيه لأحْتَملَه. يا رَبّ... وأظَلُّ أدْعو حتَّى يَنفَطرَ قَلْبي ويُبَحَّ صَوْتي وتسيلَ دموعي على خَدَّيّ. لا تعْرفينَ ولا أحَدَ يَعْرف. تَحْسَبين سكوتي كِبْراً وهو ضَعْفٌ وهَوانٌ وقِلَّةُ حيلة...

 

كانَ قد قد بَلَغَ رأسَ الخُوخَة· ـ حيث دُكَّان سَعد النَّشَّار الحَلاَّق ـ فانْعطَفَ يُسْرَةً ماضياً في طريقه إلى جامع الأنْصَاري، بينما انشَقَّت الأرضُ من خَلْفه عن شِرْذِمَةٍ من الصِّبْيَة تعالتْ عَقيرتهم بالصِّياحِ في نَفَسٍ واحدٍ وبِصَوْتٍ مُجَلْجِلْ:

 

عَنْتَرْ شالْ سِيفُه......... ياوْلادْ

 

ومْحَنِّي كْفوفُه........... ياوْلادْ

 

دايِرْ على كِيفُه.......... ياوْلادْ

 

تَعوا بُصُّوا وشُوفوا...... ياوْلادْ

 

 

شَخَطَ فيهم سَعْد النِّشَّار الذي كان يَهمُّ بإغلاقِ دُكَّانه تَهَيُّؤاً لصلاةِ الجُمعَة، فابتعدوا قليلاً وتَفَرَّقوا ثُمَّ التأمَ جَمْعُهم مَرَّةً أخرى وعاودوا الصِّياحْ. أحسَّ غُصَّةَ الهَوَانِ في حَلْقِه وقَلْبه يَغوصُ بين أضلاعِه، بَيْدَ أنَّه لم يَتَلَفَّتْ وراءه، تابَعَ سَيْرَه في الخُوخَة وأصواتُ الصِّبْيَةِ تُلاحِقُه حتَّى دَخَلَ صَحْنَ الجَامِعْ.

 

·             

 

ـ هذا ما تُريدينَني أنْ أفْعَله..؟! أجْلِسُ مِثْلَكِ واضِعاً يَدي على خَدِّي حتَّى تقَعَ الفأسُ في الرَّأسِ وتضيع الأرْض..؟!

 

ـ الأرْض بَسّ اللِّي انْتَ خَايِفْ عليها يا صَابِرْ..؟!

 

تقولُ أمُّه بِأسىً بَيِّنْ وبِصَوْتٍ خَفيضْ.

 

ـ ومَاذا بقي لنا لِنَخَافَ عليْه غَيْر الأرْض..؟ هِيبِتْنا ضَاعَتْ في البَلَدْ.. وابويا خَلاَّنا مَضْحَكَة لِلِّي يسْوَى واللِّي ما يِسْواشْ..

 

ـ أبوك السِّكِّينَة سَارْقَاه يا ضَنَايا..

 

ـ أبويا هُوَ السِّكينَة اللِّي فَرْدوسْ حا تِجِزّ بيها رقَاب الحسَايْنَة كُلُّهُمْ..

 

ـ العَابْرَة.. المَوَالْدِيَّة..!! سِحِرِتْ لُه ولَخْبَطِتْ غَزْله..

 

تقول خالتُه وحَمَاتُه الحاجَّة نَفيسَة وهي تَلْتَقِطُ خَيْطَ الحَديثِ بِتَنهِدَةٍ عَميقة. وتُضيفُ قَوْلها رافِعَةً عَيْنَيْها للسَّماءِ باسِطَةً كَفَّيْها بالدُّعاءْ:

 

ـ اللَّه المُنْتَقِم الجَبَّارْ..يِنتَقِمْ منها.. بِنْت فَرَج اللَّه..!!

 

ـ بِنْت فَرَجَ اللَّه...!!

 

تَضْحَك زَوْجته سَعْديَّة وهي تُرَدِّدُ قَوْلَ أُمِّها ـ ولكنْ بِلَهْجَةِ أهْلِ البَنْدَر التي آلَتْ على نفسِها أن تتَحَدَّثَ بها بعد زواجها. وها هي ذي ثَمانِ سَنواتٍ انقَضَتْ منذ أن تَزَوَّجَتْ وعَوَجَتْ لَغْوَتَها دون أن تُرْزَق بمَوْلود.

 

ـ اللِّي بيِكْبَرْ في العُمْر ويْخَرَّفْ بيحْجروا عليه.. حتَّى لا يضَيَّعْ ماله.. ولا يقِلّ قيمته.. ودي أرْض الحَسَايْنَة ورثوها أبّاً عنْ جِدّ.. وفَنوا عُمْرهم فيها..

 

ـ جَمَعوها زَيّ مَعاش النَّمْلة.. سَهْم على سَهْم.. وقيراطْ فوق قيراطْ.. لِِِحَدّ ما صارتْ فَدادين أرْض.. حتَّى تيجي بِنْت فَرْدس تِكَوِّشْ عليها..!!

 

تقول الحاجَّة نفيسة ـ بِصَوتٍ يَقْطُرُ مَرارَة ـ مؤمِّنَةً على قوْلِ صَابِرْ.

 

ـ صَدق اللِّي قَالْ.. اللِّي تِجْمَعه النَّمْلَة في سَنَة.. ياخْده الجَمَل في خُفّه..!!

 

تقول سَعْدِيَّة ضَاحِكةً مُعَزِّزَةً قَوْل أمِّها، ولَهْجَة أهْل البَنْدَر أكثر وضوحاً هذه المَرَّة، نَظراً للتَّحْوير في حَرْفَي القافْ والجِيم اللَّذَيْن حفلتْ بهما عبارَتُها القصيرة. بل إنَّ حَرْف الصَّاد أيضاً تَعرَّضَ للتَّهذيب فصار أقرب إلى السِّينْ.

 

ـ روحْ يا ضَنَايا شَاوِرْ عَمَّك.. يِمْكن يشوفْ له صِرْفه..

 

ـ لوْ عَنْدُه صِرْفَه يا امَّه كان اتْصَرَّفْ من زَمانْ.. عَمِّي قَاعِدْ زَيِّكُم سِبْحِتُه فْ إيده.. وحَسْرِتُه فْ قَلْبه..

 

ـ إنْتي يا حاجَّة لا تِرْحَمي ولا تِسيبي رَحْمة رَبِّنا تِنْزِلْ علينا..؟! ما تسيبي الوَلَدْ يروحْ يشوفْ طريقه.. والاَّ انْتي شايْفَة شُوفَة تانْية..؟!

 

ـ أنا شَايْفَة قُدَّامي نارْ والْعَة يا حاجَّة.. أقَلّ نَفْخَة فيها حا تشَعْلِلْ وتاكُل الأخضر واليابس..!!

 

تقول أُمُّ صَابر وهي تتَبادَلُ مع شقيقتها نَظْرَةً طويلة، يعْقبها إطْراقَةٌ وصَمْتٌ مُطْبِقْ.

 

·             

 

ـ اللَّه يِسَامْحَك يا شيخ علي..!! أنتَ أيضاً تَهْزَأ بي مثْلَما يَفْعَل الصِّغَارْ..؟! أقول لك: رَبّنا أمَرْ بِصِلَةِ الرَّحِمْ. فَتَرُدُّ عليَّ ضَاحِكاً: ويا لَهُ مِنْ رَحِمْ..!!

 

يُعاودُ الشيخ علي زِريرْ الضَّحِك وهو يُناوله لِفَافَةَ تبْغٍ أحْكَمَ لَفَّها ويُشْعِلها له:

 

ـ وهَلْ نَطَقْتُ كُفْراً.. أوْ غَلَطْت في البُخَاري لا سَمَحَ اللَّه..؟ أبْدَيْتُ إعجابي لا أكْثَرْ بالرَّحِمِ الذي تَشْتَاقُ لِوَصْلِه..!!

 

ـ عُدْنا للقَبَاحة..!!

 

ـ طَيِّبْ لا تِزْعَلْ.. نَفَادُ الصَّبْر على كُلِّ حالْ مِِنْ صِفاتِ المُحِبِّينْ. هذا ما يَقوله ابْن القَيِّمْ.. يَرْحَمُه اللَّه.

 

ـ ما بي لَيْس حُبّاً يا شيخْ عَلي..

 

يَقولها الحاجّ عبد الغَفَّار ـ مُتَنَهِّداً في حُرقة ـ لِرَفيقِ صِباه وصَديقِ عُمره وصَفَيِّه المُؤْتَمَنِ على أسْراره.

 

ـ قُلْ لي ما هو إذَنْ أفادكم اللَّه..!!

 

ـ لَوْ كُنْتُ أعرِفُ له اسْماً أوْ وَصْفاً.. لَمَا كانَ هذا حالي..

 

يَزْفرُ وتَنِدُّ عنه تنهدةُ المَكْروبِ ثانيةً وهو يَرْشفُ آخِرَ رَشْفَةٍ في فِنْجانِ قَهْوته قبْل أن يُتابِعَ حديثه:

 

ـ أيَّام صِبانا وشَبابِنا.. تَعْرِفُ كَمْ عِشْنا من حُبٍّ ووَجْد.. وكَمْ كَابَدْنا من أشْواقْ..

 

ـ أووه.. لا تُذَكِّرْنا بما مَضى يا أبا صابِرْ.. في القَلْبِ ما يَكْفي من الحَسَراتْ..!!

 

يُكْمِلُ حديثه بعَيْنَيْن غافِيَتَيْن كأنَّه لم يَنْتَبِه لقَوْلِ صَديقِه:

 

ـ.. هذا الذي يَثورُ في قَلبي الآن شَيْءٌ لم أعْهَدْه أبداً من قَبْل.. بُرْكانٌ يَفور ويَحْتَدِم.. وطوفَانٌ يُغْرِقُ ويُدَمِّرْ.. وإعْصَارٌ يَقْتَلعُ الشَّجَرَ من جذورِه..

 

يَبْلَعُ ريقَه ويَصْمتُ لَحْظةً ـ كأنه يَلتَقِطُ أنفاسَه في نهايةِ مِضْمارٍ قَطَعه رَكْضاً ـ قَبْل أن يَخْتِمَ حديثه بصوْتٍ أسْيان:

 

ـ... لهذا يَفيضُ قلبي شَوْقاً ورَغْبَة.. ويَمتلئُ حُزْناً وألماً وخَوْفاً ورَهْبَة.. أليْسَ لِصَاحِبِكَ ابْن القَيِّمْ قَوْلٌ في هذا..؟!

 

ـ وهَلْ هذه مَسْألةٌ يُرْجَعُ فيها إلى ابْنِ القَيِّمِ أو غَيْره..؟ أيُّ عاقِلٍ رَشيدْ سَوف يقولُ لك: الحُبُّ في ربيعِ العُمْر غَيْرُه في خَريفِه..!!

 

ـ زِدْني إيضاحاً.. أثَابَكم اللَّه..

 

ـ حَتَّى لَوْ كان في قَوْلي ما يُؤْلِمْ..؟!

 

ـ لنْ يكون أكثَرَ إيلاماً ممَّا أسْمَعُه من أفواهِ الصِّغارْ.. وأراه في عيونِ الكِبَارْ..

 

ـ حَالُكَ هذه تُذَكِّرني بحَواديت زَمانْ.. مَيَّة المُحاياة التي يَبْحَثُ عَنها الحَطَّابُ الفَقير لِيُعيدَ الحيَاة إلى جَسَدِ محْبوبَتِه.. بِنْت السُّلْطانْ..!!

 

يَقولُ مُبْتَسماً وهو يُنْعِمُ النَّظَرَ في وجْه جليسِه الذي يَتَطَلَّعُ إليه بِعَيْنَيْن تملؤهما الحيرة، كَعَيْنيْ طِفْلٍ يُصْغي إلى حَديثٍ مُلْغِز. ويُضيفُ قَوْلَه ـ والابتسامة لَمْ تُزايلْ شَفَتَيْه ـ قَاطِعاً الشَّكَّ باليَقين في عَيْنَيْ صَديقِه:

 

ـ.. هذا ما نَبْحَثُ عَنه الآنْ.. بَعْدَ أن غَرُبَتْ شَمْسُنا واقْتَرَبْنا من نَهايَةِ الشَّوْط..!!

 

ـ قَصْدكْ.. ما أبْحَثُ عنه أنا..؟!

 

يَلْفُظها بِحَلْقٍ جَفَّ ريقُه مُرْخياً هُدْبَ عَيْنَيْه في تَسْليمْ، ويَسْتَطْرِد:

 

ـ عَنْدِ عِنيتْرَة..؟!

 

ـ مُراعاةً لِصِلَةِ الرَّحِم..!!

 

يَقولُ صَديقُ عُمْرِه ضَاحِكاً ليُخَفِّفَ من وَقْعِ ما قاله في نَفْسِ صَاحبه.

 

ـ إذَنْ.. فأنا مَيِّتٌ يَسْعَى على قَدَميْن.. لا يَنْقُصني غَيْرُ مَراسِمِ التَّشْييعِ وقَبْرٍ أتَمَدَّدُ فيه..!!

 

ـ يا رَجُلْ..! فَأْلُ اللَّه ولا فَألُكْ. قَصَدْتُ فقَطْ أن أقولْ: كُلُّ فولَةٍ ولها كَيَّالْ..

 

ويُضيفُ مُؤكِّداً قَوْلَه بابتسامةٍ ذاتِ مَغْزى وبإشارةٍ بَليغةٍ من سَبَّابَةِ يَدِه وإبْهامها:

 

ـ.. و.. كُلُّ مُهْرَةٍ ولَها خَيَّالْ..!!

 

ـ جِئْتُكَ لأتَخَفَّفَ من بَعضِ أحْمَالي.. وها أنا ذا أخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ بِحِمْلٍ أثْقَلْ..!!

 

يَقولُ مُتَنَهِّداً وهو يَقْبِضُ على رأسِ عَصَاه ويَهمُّ بالنُّهوض.

 

ـ إيهْ.. اللَّهُمَّ أعْطِنا ظَهْراً قَوِيّاً.. لا حِمْلاً خَفيفاً..!!

 

يَقولُها الشيخ علي بِمَوَدَّةٍ حقيقية وهو يَرْبِتُ على ظَهْرِ صَديقِه مَشَيِّعاً إيَّاه إلى بابِ الدُّكَّانْ.

 

ـ وَفِّرْ دُعَاءك يا شِيخ علي.. فهو لَنْ يُجْديني نَفْعاً..

 

ويُضيفُ قَوْلَه وهو يَهبِطُ من عَتبَة الدُّكَّانِ إلى أرْضِيَّةِ الشَّارع:

 

ـ ما سَبَقَ من كَلامِكَ.. قَصَمَ ظَهْري سَلَفاً..!!

 

·             

 

آخِرُ الدَّواءِ الكَيّ..!! أَعْرفُ يا شِيخ علي.. أعْرِفْ. وأعْرِفُ أنَّ قَلْبَكَ يَذوبُ مَحَبَّةً لي وإشْفاقاً عَلَيّ. ولِهذا تَصْدُقني القَوْل. حَتَّى لَوْ كانت كلمةُ الحَقِّ تَسوء وتُوجِعْ. تَمُدُّ يَدَكَ إلى صَدْري لِتَنْزعَ ما تَحْسَبُه شَوْكَةً في القَلبِ، وتقولُ في نَفْسِك: وَجَعُ سَاعَةٍ ولا وَجَعُ كُلِّ السَّاعاتْ. لا تَعْرفُ أنَّها شَجَرَةُ شَوْكٍ ضَاربَةٌ بِجذورِها في الحَشَا، لو اقْتَلَعْتُها لانْتَزَعْتُ قَلبي معها. أعْرِفُ أيضاً أنَّ الطَّريقَ بَيْنَ الخِرْبِتَاوي والأنْصَاري مَلْغومٌ بالفِخَاخْ. في كُلِّ خُطْوَةٍ شَرَكْ. تَحْسَبُني غَافِلاً عن تَدْبيرِ فَرْدوس وأنا أعْلَمُ النَّاسِ بِخَباياها. لَكِنْ منْ يَدُه في المَاءِ ليْسَ كَمَنْ يَدُه في النَّارْ. أنا أقرأُ في عَيْنَيْكَ ما لا يَنْطِقُ به لسَانُكْ. عِشْرَةُ رُبْعِ قَرْنٍ ويَزيد جَعَلَت كُلاًّ مِنَّا كِتَاباً مَفْتوحاً لأخيه. حَفِظْنا القُرآنَ وخَتَمْناه سَوِيَّةً في كُتَّابِ الشِّيخ جِبْريلْ. وتَرَافقْنا عاماً أو بَعْضَ عامٍ زَمِيلَيْ دراسةٍ في المعهد الأحمدي. بَعْدَها انْصَرَفْتُ أنا للفِلاحَةِ وقَطَعْتَ أنتَ شَوْطاً أطْوَل في التَّعليم حتَّى أوْرَثَكَ أبوكَ ـ يَرْحَمه اللَّه ـ دُكَّانه فانصَرفْتَ للتِّجارة. فَرْدوس نَصَبَت المَصْيَدة ووضَعت الطُّعْم. تَبَّلَتْه بالمِلْحِ والبُهَارِ وطَيَّبَتْه بالمِسْتِكةِ والعَنْبَرْ. والفَأْرُ العَجوزُ ـ المَيِّتُ جوعاً ـ يَتَحَلَّبُ ريقُه اشْتِهاءً. لَوْ زَلَّتْ قَدَمُه لانْطبَقَ عليه بابُ المَصْيَدةِ فلا يكون ثَمَّ مَنْفَذٌ أو خَلاصْ. أعْرفُ يا شيخ عَلي. أعْرِفْ. ما تُضْمِره سَريرَتُك تَنْطِقُ به عَيْناك. ولِهذا تُثْقِلُ عليَّ بالقَوْل عَسَى أن أثوبُ إلى رُشْدي قَبْلَ أن يَسْبِقَ السَّيْفُ العَذَلْ. لَكِنْ مَنْ يَدُه في الماءِ ليْسَ كمَنْ يَدُه في النَّارْ. فأنتَ لَمْ تَرَ عَيْنَيْها. لَمْ تَرَهُما يا شِيخْ علي. نَبْعانِ رائقَانِ صُفِّيَ ماؤهما من كُلِّ كَدَرٍ أو شَائبة. شُرْفَتانِ نافِذتانِ للقَلْبِ تَوّاً؛ مَفْتوحتان على سِعَتِهما للشَّمسِ والهَواءِ والأفقِ الفَسيحِ والحقولِ الخُضْر. حين تَضْحَكُ تَتَفَجَّرُ ينابيعهما بِشَلاّلاَتٍ من نورٍ تُضيء صَفْحةَ الوجْهِ النَّضِرْ، فهي لَحْظةُ شروقٍ على حَقْلِ حِنْطَةٍ طابَ واسْتوَى، شَبِعَ من ضَوْءِ الشَّمسِ وارْتَوى بماءِ اللَّه فتَلأْلأَ كَنَهْرٍ من ذَهَبٍ خالِصْ. وحين تَحْزَنُ فهي سَاعَةُ مَغيبٍ مَمْلوءَةٌ شَجَناً ووحْشَةً وأسىً شَفيفاً، تَخْتَنقُ لها روحُكَ بالبُكاءِ ويَذوبُ قَلبُكَ ولوْ كانَ من صَخْر. وحين تُشْرِعُ نَظْرَتَها فهي لَحْظَةُ سطوعٍ بِظَهيرَةِ صَيْفٍ قَائظْ؛ شَمْسٌ لاهِِِبَةٌ مُحْرِقَة، يَنْفُذُ جَمْرُهما إلى نُخَاعِ العَظْمِ فيَخورُ جَسَدُكَ ويَدُبُّ الخَدَرُ بأوصالِكْ. لَمْ تَرَ تِلْكُما العَيْنَيْن. وإنْ رأيْتَهُمَا فأنتَ لَمْ تَهْبِطْ إلى قَرَارِهما. وإنْ هَبَطْتَ إلى قَرارِهما فأنتَ لَمْ تَشْرَبْ ماءَهما ولا طَعِمْتَ خَيْرَهُما. ماءٌ عَذْبٌ فُراتْ، وكَرْمٌ طَيِّبٌ من شَجَرِ الجَنَّةِ يَزْدادُ مَنْ ذاقَ خَمْرَتَه عَطَشاً ويُجَنُّ الذي لَمْ يَذُقْ. أقولُ لكَ ما بي ليسَ حُبّاً يا شيخ علي. وإنْ كانَ كذلك فهو ليْسَ كَعِشْقِ بَني البَشَرْ. ها هي ذي مِئذَنَةُ سَيِّدي الخِرْبِتَاوي تَلوحُ ـ عالِيَةً مُنْتَصِبَةً ـ على مَرْمَى البَصَرْ. ودَارُنَا هُنَاكَ على الضِّفَّةِ الأُخْرَى من النَّهْرِ، لا يَفْصِلُ بَيْني وبَيْنها غَيْرُ بِضْعِ خُطواتٍ على القنْطَرَةِ الخَشَبِيَّةِ القَديمة. في الدَّارِ أيضاً شَرَكٌ مَنْصوبٌ وفَاغِرٌ فَاهْ. لَيْسَ بِيَدِ فَرْدوس هذه المَرَّة يَا شِيخ علي، بل بِيَدِ ابْني وحيدي الذي هو مِنْ صُلْبي.

 

·             

 

الظَّهْرُ في الظَّهْرِ وبَيْنَنا صَحارَى تَشْرُدُ فيها الخُطَى وتَتُوه، وتَنْفَقُ الدَّوابُّ ويَحْتَرقُ القَلْبُ ظَمَأً. وَجِيبُ قَلْبِكَ يَنْبضُ في فِقَارِ ظَهْرِي، وتَردُّدُ أنْفَاسِكَ يُلامِسُ مَنَابِتَ الحِسِّ في جَسَدي. وَجيعَتي مِنْ وَجيعَتِكْ. وأنْتَ كالحجابِ المَخْتومِ على سرِّه. مُذْ جَمعَنا اللَّه على سُنَّةِ رَسوله ـ قبل ثلاثين سَنة أو يَزيد ـ لمْ نَفْتَرِقْ عن هذا الفِرَاشِ أبداً. حَتَّى اللَّيالي التي ثُكِلْنا فيها بِحَبَّاتِ قلوبِنا كُنَّا نُقَضِّيها سَاهِرَيْن وَحْدَنا والمَوْتُ ثَالثُنا. لَمْ نَفْتَرِقْ. كُنَّا نَنْكفئُ ونَقومُ كَجِدارَيْن مَادَتْ من تَحتِهما الأرْضُ فاسْتَنَدَ واحِدُهما على الآخَرْ. لَمْ يَفْصِلْ بيْنَنَا على الفِرَاشِ غَيْرُ مَوْتِ سَيِّدة. بِكْرِيَّتنا. نَنَامُ ظَهْراً لِصْقَ ظَهْرٍ وهي راقِدَةٌ بيْنَنَا، كَرَقْدَتِها الأخيرة. فَلَذاتُ أكْبَادِنا تَخَطَّفَتْهُم يَدُ المَوْتِ صِغاراً، فكان جُرْحُهم أبْرَدْ. وَحْدَها سَيِّدة صَبَرَ عليها مِنْجَلُ المَوْتِ حَتَّى كَبُرَتْ وتَرعْرَتْ صَبيَّةً رَيَّانَةً بِوَجْهٍ قَمْحِيٍّ رائقِ السُّمْرَةِ وعَيْنَيْنِ نَجْلاوَيْنِ وقَلْبٍ أخْضَرْ. في عَيْنَيْها انْكِسَارُ راحِلٍ مُوَدِّعٍ وفي قَلْبِها وَداعَةُ يَمَامَة. مَاتَ قَلْبي بَعْدَها وصُدَّتْ نَفْسي عن زادِ الدُّنيا، وانْغَلَقَتْ مَنَافِذُ الجَسَدْ. مَا عُدْتُ لِبَاساً لَكَ ولا أنتَ لِبَاسٌ لي. لَكِنْ بَقِيَتْ بيْنَنا المَوَدَّةُ والرَّحْمَة. قُلْتُ لَكَ تَزَوَّجْ. قَبْلَ سِنينَ بَعيدة قُلْتُها لَكْ.وها أنا أعيدها عَلَيْك. تَزَوَّجْ يا حَاجّ. تَزَوَّجْ...

 

لَمْ تَنْتَبِه إلى أنَّ حَديثها صَارَ مَسْموعاً إلاَّ حين أتاها صَوْتُ زَوْجها:

 

ـ صَاحْيَة يا حَاجَّة..؟!

 

ـ وأنا كُنت نِعِسْت.. حتَّى أصْحَى..؟!

 

وأرْدفَتْ ووَجْهُهَا للمِسْنَدِ ـ المُتَّكئِ على الحَائطِ ـ مَا يَزالْ:

 

ـ سَمَعْتِني..؟! أقولُهَا لَكَ بِصَوْتٍ مَسْموعْ؟! تَزَوَّجْ يَا حَاجّ..

 

تَفَزَّزَ جَسَدُه المُمَدَّدُ إلى جِوَارِهَا على الفِرَاشِ وخَيَّمَ علَيْهما صَمْتٌ مُطْبِقْ، قَبْل أن يأتِيه صَوْتُها ثانِيَةً:

 

ـ.. أيّ واحْدَة.. غِيرْ بِنْت فَرْدوسْ..!!

 

·             

 

كَأنَّكِ تَقولين لي: اشْرَبْ مِنَ الدَّواءِ ما شِئْتَ.. إلاَّ مَا يُبْرئُ جُرْحَكْ..!!. وهَلْ في القَلْبِ غَيْرُها يا أُمّ صَابِرْ..؟! لَوْ كَانَ مَا بِي شَهْوَةَ جَسَدٍ لانْطَفَأَتْ جَذْوَتُه ـ كما خَمَدَتْ بَيْنَنَا ـ مِنْ زَمَنْ. أوْ أنَّه صَبَابَةُ عَاشِقٍ لَخَبَّأتُه في حَنَايَا القَلْب، وسَتَرْتُه ـ اسْتِحْيَاءً ـ عَنْ عيونِ النَّاسْ. لكنَّه ـ يا أُمّ صَابِرْ ـ قَضَاءٌ نَافِذٌ، كَتَعَاقُبِ الفُصولِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ وخُروجِ الحَيِّ من المَيِّت، لِتَكْمُلَ دَوْرَةُ الحَيَاةِ على الأرْضِ وتَنْفَذَ مَشيئةُ اللَّه. ألَيْسَ عَجيباً ألاَّ يَخْفِقَ قَلْبي ـ الذي شَيَّعْتُه يَوْمَ شَيَّعْتُ سَيِّدة ـ لِغَيْرِها هي..؟! أيْنَ كانَتْ يَوْمَها يا أُمّ صَابِرْ..؟! ألَمْ تَكُنْ طِفْلَةً على عَتَباتِ الصِّبا تلْهو مع الصِّغَارِ في الخوخة..؟! سَأَلْتِني ـ غَيْر مَرَّة ـ أيُّ شَيْطانٍ وَسْوَسَ لي فقادَتْني خُطايَ إلى هُناكَ بَعد عَشْرِ سَنواتٍ وأكْثَر من القَطيعَة..؟!. لَمْ يَكُنْ شَيْطاناً يَا أُمّ صَابِرْ. كَانَتْ رُؤيَا في لَيْلَةٍ مُبَارَكة؛ عَشِيَّة يَوْمِ جُمْعَة. سَوْفَ أَقُصُّ عَلَيْكِ مَا لَمْ أَبُحْ بِه لأَحَدٍ َغَيْر صَاحِبي وتَوْأمِ روحي الشِّيخ عَلي، مُلْتَمِساً لَدَيْه خَيْطَ نُورٍ بَعْدَ أن عَجَزَ عَقْلي عن الفَهْمِ وأَعْيَتْني الحِيلة. رَأَيْتُني ـ في المَنَامِ ـ بِدارِنا القَديمة. كانوا كُلُّهم هناكَ؛ أبي وأعْمَامي وأبْنَاء وبَنات عُمومَتي وخؤولَتي. رأيْتُهم كما عَهِدْتُهم في طُفولتي وصِبَايْ. كانوا يَتَنازعون فيما بيْنهم على الأرْضِ ويَتَصَايحون فَتَخْتَلطُ أصْواتهم في جَلَبَةِ العراكْ. وَحْدَها أُمِّي كانت جَالِسَةً ـ جِلْسَتَها المَعهودة ـ على المَصْطَبَةِ في صَحْنِ الدَّارِ تَخْتِمُ الصَّلاةَ بالتَّسْبيحِ على أصَابِعِها. بَيْنَ الحينِ والحِينِ تَرْفَعُ رأسَها وتَتَطَلَّعُ إليَّ وإليْهم في صَمْت. صَحَوْتُ لا أذْكُرُ من وَقَائع الحُلْمِ غَيْر هذا، وفي قَلْبي حَنينٌ لا أَمْلِكُ له رَدّاً للدَّارِ القَديمَةِ والخوخةِ وأَهْلها ونَاسِها. قُلْتُ في نَفْسي: سَيِّدي الأنصاري يَدْعوني إليْه.. فَلأُصَلِّ فيه هذه الجُمْعَة. مَرَرْتُ بالدَّارِ في طَريقِ عَوْدَتي، كَانَتْ جَالِسَةً على عَتَبَتِها كَأنَّما تَنْتَظرُني. تَقَدَّمَ بها العُمْر بَيْدَ أنَّ الزَّمَنَ لَمْ يَأخُذْ من مَلاحَةِ وَجْهِها الشَّيْءَ الكَثيرْ. مَا تَزَالُ تَعْصبُ رأْسَها بالشَّبْقَةِ المَشْغولَةِ بالتِّرْتِرِ وتُكَحِّلُ عَيْنَيْها. ظَلَّتْ تَتَطَلَّعُ إليَّ بِعَيْنَيْهَا النَّافِذَتَيْن والبَسْمَة على فَمِها، وأنا ـ كالسَّائرِ في نَوْمِه ـ أنْعَطِفُ صَوْبَ الدَّارْ. أَلْقَيْتُ عَليْها التَّحِيَّةَ فَنَهَضَتْ وسَلَّمَتْ. أخَذَتْ يَدي في يَدِها وغُنَّةُ صَوْتِها المَعهودَةُ ما تَزالْ:

 

ـ تَفَضَّلْ يا حَاجّ.. دَارَكْ ومَطْرَحَكْ..

 

لَمْ تُفْلِتْ يَدي حتَّى صِرْتُ وَسطَ الدَّارْ. جَاءَ أَصْغَرُ أبنائها بِفَرْوَةٍ وفَرَشَها على المصْطبَة. وجَاءتْ هي بِمسْنَدٍ وَضَعَتْه وراءَ ظَهْري. جَلَسْتُ في ذاتِ المَكانِ الذي اعتادَتْ أُمِّي الجلوسَ فيه. تَماماً كما تَراءَى لي في الحُلْم. جَاءَ اثْنانِ آخَرانِ من أبنائها فَسَلَّما عَلَيَّ وقَبَّلا يَدي. بَعْدَها جَاءتْ هي تَحملُ صِينِيَّةَ الشَّايْ. قَالَتْ فَرْدوس التي اتَّخَذتْ مَجْلِسَها إلى جِوَاري على المصْطَبَة:

 

ـ عِنِيتْرَة.. البِكْرِيَّة..

 

وأرْدَفَتْ وهي تُنَاولني كُوبَ الشَّاي وتَضْحَكُ ضحكَتَها النَّاعِمة:

 

ـ كانَ المَرْحومْ يُريدُ وَلَداً.. أسْمَاه عَنْتَرْ سَلَفاً.. فلمَّا جاءتْ بِنْتاً أسْمَيْناها عِنِيتْرَة..!!

 

قَالَتْ (المَرْحومْ) إجْلاَلاً لِذِكْرَاه ولَمْ تَذْكُرْه بالإسْم. جَلَسَتْ قِبَالَتي إلى جِوارِ إخوتها الثَّلاثَة مُطْرَقَةَ الرَّأسِ غَاضَّةً بَصَرَها حيَاءً، فلَمَّا أشْرَعَتْ عَيْناها ـ أوَّلَ مَرَّة ـ كانت نَظْرَتُها سَهْماً نَافِذاً في القَلْب. لَمْ تَتَغَيَّري يا فَرْدوسْ. لَحظْتِ ـ بِعَيْنِ الأُنْثى الخَبيرةِ المُتَمَرِّسَة ـ ما حَلَّ بي، فَرَمَيْتِ ابْنَتَكِ بِنَظْرَةٍ قَامَتْ على إثْرِها تَتَعَثَّرُ في خُطاها ولَمْ تَعُدْ. قَالَتْ لي وهي تُوَدِّعني عِنْدَ عَتَبَةِ البابْ:

 

ـ تَذَكَّرْ أهْلَكَ بِزيارةٍ ثَانيةٍ يا حَاجّ.. الظُّفْرُ لا يَخْرُجُ من اللَّحْم..!!

 

صَدَقْتِ يا فَرْدوسْ. لا يَنْفَصِلُ الظُّفْرُ عن اللَّحْم. تَماماً كما انْغَرَسَ سَهْمُ عَيْنَيْها في حُشَاشَةِ القَلْب. ودَعْوَتُكِ لي تَحْصيلُ حَاصِلْ. تَعرفينَ أنِّي عائدٌ لا مَنَاصْ. صَلاةُ الجُمْعَة في جَامع الأنْصَاري صَارَتْ مَوْعِداً لا يُخْلَفْ. ودَارُنا القَديمةُ غَدَتْ مَزَاراً يَشُدُّني إليه ـ كُلَّ جُمْعَة ـ وَلَهُ المَجذوبِ إلى مَقَاماتِ الأوْلِيَاءْ. أَعُدُّ الأيَّامَ على أصابِعي تَرَقُّباً لِقُدومِه.

 

أقولُها لَكِ ـ كَما قُلْتُها مِنْ قَبْلُ للشِّيخْ علي ـ مَا بي لَيْسَ حُبّاً يا أُمّ صَابِرْ. مَرَضٌ عُضَالْ.. حَنينُ الدَّمِ للدَّم.. عَوْدَةُ النَّهْرِ إلى مصَبِّه.. سَمِّهِ مَا شِئْت. فهو ـ في كُلِّ الأحْوال ـ قَضَاءُ اللَّه الذي لا رادَّ لمَشيئته.

 

·             

 

عَذَابُ القَبْرِ أهْوَنْ..!! ثَالثُ صَلاةِ جُمْعَةٍ يُقَضِّيها في جَامعِ الخِرْبِتَاوي، مُذْ قَرَّ قَرَارُه على أن يُفيقَ من سَكْرَتِه ويعودَ إلى صَوابِه. قَالَ في نَفْسِه: إنْ كانَ مَرَضاً، فَلا داءَ إلاَّ وله دَواءْ. وكَائنةٌ ما تَكونُ مَرَارَتُه فأنا كَفيلٌ بِتَجَرُّعِه. وإنْ كَانَ قَضَاءً وقَدَراً، فأنا ـ الذي ثُكِلْتُ في أرْبعَةٍ من فَلَذاتِ كَبِدي ـ قَادِرٌ على احْتِمالِه والصَّبْرِ عَلَيْه. وإنْ كَانَ حَنيناً يَغْلِبُني على أمْري، فانْتِزاعُ القَلْبِ أيْسرُ عَلَيَّ من هَوَانِ حَالي وصَيْرورتي أُضْحوكَةَ الكبيرِ والصَّغيرْ. وإنْ كانَ غَيرَ هذا كُلّه ـ خَرَفَ شَيْخوخَةٍ أوْ خَبَلاً على كِبَرْ ـ فالكَيُّ على الجُمْجُمَةِ جَزاءٌ وِفَاقٌ وعِلاجٌ ناجِعْ. ما هذا الذي فَعَلْتَه بِنَفْسِكَ وبِذَويكَ يا عَبْد الغَفَّار..؟! جَعَلْتَ من نَفسِكَ هُزْأةً لأهْلِ البَلَد قُلْنا: لا لَوْمَ ولا تَثْريبْ. لكنْ.. تُلَطِّخُ سُمْعتَكَ وتَخْرُجُ عن طَوْعِ أهْلِكَ ونَاسِكَ وتُسَبِّبُ الألَمَ والتَّعاسَةَ لأقْرَبِ الأقْرَبينَ إليْك..؟! ابْنكَ وَحِيدَكَ وحيلَتك من الدُّنيا، مَتَاعكَ البَاقي من حَصَادِ المَوْت. وعَشيرَة عُمْرِك التي قَاسَمَتْكَ السَّرَّاء والضَّرَّاءَ واقْتَسَمَتْ مَعَكَ كِسْرَةَ الخُبْزِ وإدَامَ الحُزْنْ..؟! ولأَجْلِ مَنْ..؟! بِنْت ـ ما تَزَالُ في قِمَاطِها المَبْلول ـ بيْنَكَ وبَيْنَها مَا يَرْبو على ثَلاثَةِ عقودٍ من الزَّمان..؟! وبِنْت مَنْ..؟! فَرْدوس وعَبْد الحَليمْ..!! الفَرْع الذي بُتِرَ من شَجَرَةِ العَائلَةِ وأٌلْقِيَ به بَعيداً لِيَذْبُلَ ويَجِفَّ، تُعيدُ أنتَ وَصْلَه بأصْلِه لِيَخْضَرَّ ويُزْهِرَ من جَديدْ..؟!. وهَذا الذي يَلوحُ في قَرَارِ عَيْنَيْها يا عَبْد الغَفَّار..؟! يَطْفُرُ في نَظْرَتِها المُشْرَعَةِ كَنَصْلِ السَّيْفِ وضَحكتها التي تُضيء صَفْحَةَ الوَجْه؛ في احْمِرَارِ خَدَّيْها حينَ تُقْبِلُ عليهم، وانكِسَارِها الأسْيانِ حين تُفَارقهم..؟! سَرابٌ خَادِعْ. كَذبَةٌ أحْكَمَتْ فَرْدوس سَبْكَها حَتَّى انْطَلَتْ عَلَيْكَ فَصَدَّقْتَها. وإلاَّ فَكيْفَ يُفَسِّرُ عاقِلٌ هَوَى صَبِيَّةٍ في رَيْعانِ صِبَاها بِشَيْخٍ ـ بيْنَه وبَيْن القَبْرِ خُطواتٌ مَعدوداتٌ ـ إلاَّ أن يَكونَ طَمَعاً في مالٍ أو أخْذاً بِثَأْرٍ أو ما شَابَه مِمَّا هو في نَفْسِ فَرْدوس..؟! 

 

 

عادَ يُحَدِّثُ نَفْسَه قَائلاً: طَريقُ النَّدامَةِ أوَّلُه تِيهٌ وآخِرُه هَوَانٌ وخُسْرانٌ وقِلَّة قِيمة. والبُكاءُ على ما فاتَ نُقْصَانٌ من العَقْل. العِبْرَةُ في الآتي. وتَقْريعُ النَّفْسِ لَنْ يُجْدي فَتيلاً. عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفْ. ولْتَكُنْ صَحْوَةً مِنْ سُبَاتٍ وتَوْبَةً بَعْدَ ضَلالْ.

 

أخَذَ على نَفْسِه العَهْدَ في مُقَامِ سَيِّدي الخِرْبِتَاوي. أوْقَدَ الشُّموعَ وقَرأ الفاتِحَةَ وآي الذِّكْرِ الحَكيمْ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْن تَضَرَّعَ في خِتَامِهما إلى اللَّه أنْ يُقَوِّي عَزيمَتَه ويُعينَه على أمْرِه. بَعْدَها خَرَجَ مُنْشَرِحَ الصَّدْر. مِنْ فَرْحَتِه أسَرَّ لأُمِّ صَابِرْ بِمَا وَطَّنَ النَّفْسَ عليْه، فَرَدَّتْ فيها الرُّوحُ وعادَ الدَّمُ إلى وَجْهِها. قَامَتْ هي الأُخْرى وصَلَّتْ رَكْعَتَيْن حمْداً للَّه أنْ أزَاحَ عنهم هذه الغُمَّة. لَيْلَتَها لَمْ يَغْمَضْ لهما جَفْن. أمْضَيا اللَّيْل بِطولِه في حَديثٍ حَرصَ كُلٌّ منهما على أن يَنْأى به عَمَّا كانْ. كأنَّها صَفْحَةٌ طُوِيَتْ. وفي الصَّبَاحِ يَمَّمَ وَجْهه شَطْرَ الحَقْلِ كَعَادَته. مَا كَادَ النَّهارُ يَنْتَصِفُ ـ وهو جَالِسٌ على مَدَارِ السَّاقيةِ يَتَأمَّلُ الحقولَ المُتَرامِيَةَ على مَرْمَى البَصَر ـ حَتَّى أدْرَكَ أنَّه يَكْذِبُ على نَفْسِه. لَمْ تَبْرَحْ مُخَيِّلَتَه لَحْظَة. وكُلَّمَا تَذَكَّرَ عَهْدَه الذي قَطَعَه على نَفْسِه ـ وأنَّه لن يَرَاها كما اعتادَ كُلَّ جُمْعَة ـ انْخَطَفَ قَلْبُه كَمَنْ زَلَّتْ قَدَمُه مِنْ عُلُوٍّ شَاهِقْ. تَبَدَّتْ له الحُقولُ المُمْتَدَّةُ من حَوْلِه كأنَّها مَهْمَهٌ مَهْجورْ. وأحَسَّ بالوَحْدَةِ واليُتْم. مَرَّ عَلَيْه أوَّلُ يَوْمٍ بِطولِ دَهْرٍ كَاملٍ، عَادَ بَعْدَه إلى الدَّارِ يُجَرْجِرُ خُطاه كالعائدِ من تَشْييعِ مَيِّتْ. قَالَ ـ يُعَزِّي نَفْسَه ـ بَعْدَ أنْ فَرَغَ من صَلاةِ العِشَاءِ وأوَى إلى مَضْجَعه: كُلُّ شَيْءٍ في أوَّلِه صَعْب. وجُرْحٌ غَائرٌ في القَلْبِ كَهَذا لَنْ يَنْدَمِلَ بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَة. عُدَّ نَفْسَكَ قَدْ ثُكِلْتَ في وَلَدٍ خَامسْ، واعْدُد العُدَّةَ لأيامٍ عَصيبَةٍ قَادِمة. وكَمْ بَقِيَ من العُمْرِ حَتَّى تُقَضِّيه في هَمٍّ وغَمٍّ ومُكَابَدَةٍ يا عَبْد الغَفَّارْ..؟! وهَلْ باليَدِ حيلَة..؟ أنْتَ عَاهَدْتَ فَأوْفِ بِعَهْدِكَ كَرَجُلْ. لا تُضْحِك النَّاسَ عَلَيْكَ مَرَّتَيْن.

 

ثَاني يَوْمٍ كانَ أثْقَلَ وأمَرَّ من سَابِقِه. على هذه الوَتيرة تَوَالَتْ أيَّامُ ما بَعْدَ العَهْد. طَريقٌ مُمْتَدٌّ لا تُعْرَفُ له نَهايَة، كُلُّ خَطْوَةٍ علَيْه وَحْشَةٌ واغْتِرَابٌ وإيغَالٌ في المَجْهولْ. يَجيئه اللَّيْلُ بِحُزْنٍ خَانِقٍ لا يُجْدي مَعَه بُكَاءْ. ويَطْلَعُ عليه النَّهارُ بِخَوْفٍ مُشْرَع الأظافِرِ والأنيَابِ مُقْبِضٍ ومُدَوِّخْ. خَوْف طِفْلٍ ضَلَّ طريقَه في غابَةٍ كثيفَةٍ مُظْلِمَة. وهي مَاثِلَةٌ في مُخَيِّلَتِه لا تُفَارقه لَحْظَة، لا تَرِقُّ لِحَالِه بِوَصْلٍ، ولا تأخُذُها به شَفَقَةٌ بِصَبْرٍ وسِلْوانْ. وهو كالبَحْرِ مُتَقَلِّبُ الأهْواءِ مَدّاً وجَزْراً، صَخَباً ولِيناً. يَفيضُ به الحَنينُ فَيَشْتاقُ كُلَّ شَيْءٍ فيها؛ حَرَكاتها وسَكَنَاتها وأشياءَها الصَّغيرة. حَتَّى خشونَةُ يَدَيْها ـ التي بَدَتْ له يَوْماً نَاشِزَةً عن نُعومَةَ الجَسَدِ الغَضّ ـ كَمْ يَذوبُ الآنَ شَوْقاً لتِلْكُما اليَدَيْن..! يَوَدُّ لَوْ يَأخُذهما بين يَدَيْه ويَرْوي غُلَّتَه مِنْهما لَثْماً وتَقْبيلاً. ويَفورُ مِرْجَلُ قَلْبِه غَضَباً ـ تَحْتَ وطْأَةِ الألَمِ ـ فَيَلْعَنُها ويَلْعَنُ أباها وأُمَّها ناعِتاً إيَّاهم بأقْبَحِ النُّعوتِ ـ حَتَّى تِلْك التي تَتَعَفَّفُ الحاجَّة نفيسة عن التَّفَوُّه بها. ألَيْسوا هُمْ سَبَب بَلْواهْ..؟! هذه الشَّبَكَةُ التي يُفَلْفِصُ داخِلَها الآن فَيَعْلَقُ أكْثَرَ وأكْثَرَ بأحابيلِها، أليْسَتْ مِنْ غَزْلِ فَرْدوس ونَسْجِها..؟! وأنتَ يا عَبْد الحَليمْ.. بِأيِّ صِنْفٍ من أصْنَافِ الحَشيشِ عَمَّرْتَ رأسَكَ ـ لَيْلَتَها ـ حَتَّى تَشَبَّعَ به دَمُكَ، فَجَاءت الثَّمَرةُ هَكَذا ـ كَتُفَّاحَةِ آدَم ـ مُحَرَّمةً ومُشْتَهاة..؟! وهِِيَ..؟! هِيَ مَوْطِنُ الدَّاءِ وأُسُّ البَلاءْ. مِثْل فَصِّ الأفْيونِ وَصْلُها مَرَارٌ وهَجْرُها أمَرّ. اللَّهُمَّ لا اعْتِرَاض على مَشيئتِك. لَوْ أنَّها جاءتْ وَلَداً ـ كما كانَ يَأمَلُ أبوها ـ أمَا كُنَّا كُفينا مؤونَةَ هذا العَذابْ..؟ وأيُّ عَذابْ..!! وأنتِ..؟ لَوْ قُدَّ قَلْبُكِ من صَخْرٍ لأَحَسَّ بي. هَبيني أنا الذي هَجَرْت.. ألاَ تَصِلينَ أنتِ..؟ وانْقَطَعْتُ ـ عَنْ ضَعْفٍ وخُذْلانٍ تَحْتَ سَطْوَةِ عيونِ النَّاسِ وسياطِ ألْسِنَتِهمْ ـ ألاَ تَسْنِدينَ أنتِ ظَهْري حَتَّى أنْهَضَ من هذه الكَبْوَة..؟! ويَمْضي في العَتَبِ حَتَّى تَجيشَ نَفْسُه بالحَنينِ ثَانِيَةً ويَغْلُبه البُكَاءْ. يُرَاوِدُه ـ وَسْطَ دموعِه ـ الحُلْمَ بَأنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْه ويَفْتَحَهما فيجِدها شَاخِصَةً أمَامَه ـ لَحْماً ودَماً ـ فيَمْلأ عَيْنَيْه مِنْها، ويَمْلأ كَفَّيْه بِها. لَكِنَّ الأيَّامَ تَمْضي. كُلُّ يَوْمٍ يَجُرُّ في ذَيْلِه يَوْماً آخَرَ أكْثَرَ تَعاسَةً وأشَدَّ قَتَامَة. وهِيَ لا حِسٌّ ولا خَبَرْ. مَا عَادَ يُطيقُ صَبْراً، ولا عَادَ لِشَيْئٍ في فَمِه طَعْم. عَافَتْ نَفْسُه الزَّادَ فَهَزُلَ بَدَنُه وبَانَ شُحوبُ وَجْهِه وضَاقَ ذَرْعاً بكُلِّ شيْءٍ من حَوْلِه، فَتَبَدَّت له نَظَراتُ الرِّضا والامتنانِ ـ في عيونِ أهْلِه وذَويه ـ مُكَافَأةً له على جُرْمٍ اقْتَرَفَه أو فِعْلَةٍ خَسيسة اجْتَرَحَها. شَعُرَ بالصَّغارِ حين غَلَبَه الشَّيْطانُ على أمْرِه فاختانَ نفْسَه، هو الذي كَبَحَ شَهواتِ الجَسَدِ عَشْرَ سَنَواتٍ بِطولها. حتَّى الصَّلاة ـ التي  كانَ يَقِفُ فيها بين يَدَيْ اللَّه خاشِعاً مُتَبَتِّلاً ـ صَار يَقْضيها شَارِدَ اللُّبِّ يُخْطئُ ويَسْهو فَيُعيدُ الصَّلاةَ مُسْتَغْفِراً مُسْتَعيذاً باللَّه من الخَطأ والنِّسْيَانْ. أوَّلُ جُمْعَةٍ صَلاَّها في جَامِع الخِرْبِتَاوي أحَسَّ نَفْسَه كالغَريبِ وَسْطَ قَوْمٍ لا يَعْرفهم. احْتَفوا به ـ عَقِبَ الصَّلاة ـ احْتِفَاءهم بالعَائدِ من سَفَرٍ بَعيدٍ أو التَّائبِ بَعد زَيْغٍ وضَلالْ، فامْتَلأ خِزْياً كَجُنْديٍّ فَارٍّ من ميدانِ القِتَالِ يُعَلَّقُ على صَدْرِه نَوْطُ شَجَاعَة. ثَاني جُمْعَة طَالَتْ عَلَيْه خُطْبَةُ الإمَام وثَقُلَ وَقْعُها على نَفْسِه حَتَّى حَسِبَ أنَّ صَلاةَ العَصْرِ سَوْفَ يُؤَذَّنُ بِها قَبْل أن يَفْرَغَ الخَطيبُ من كَلامِه. وهَا هي ذي ثَالِثُ جُمْعَةٍ يُصَلِّيها في الخِرْبِتَاوي. دَخَلَ الجَامِعَ خَائِرَ القِوَى زَائغَ البَصَرِ فَتَلَقَّاه الجَمْعُ بِتِرْحابٍ يَليقُ بالعَائدِ إلى حَظيرَةِ الإيمانِ الثَّابِتِ على إيمانِه. صَلَّى رَكْعَتَيْن تَحِيَّةَ المَسْجِدِ وجَلَسَ بَيْنَهم يُحَدِّقُ في وجوهِ مَنْ حَوْلَه. لَمْ تَبْدُ له ـ في أيِّ وَقْتٍ ـ أقْبَحَ مِمَّا هي عليْه الآنْ..!! وجوهٌ لا يُزَكِّيها اللَّه يَوْمَ القِيَامَة. أيُّها القَتَلَة..!! لا أَحَدَ مِنْكم يَشْعُرُ بِوَجِيعَتي ولا بالنَّارِ التي تَسْتَعِرُ في كَبِدي. لَو أنَّ في قلوبِكم ذَرَّةَ إيمانٍ ما فَعَلْتُمْ بي فِعْلَكُمْ هذا. جَزَزْتُمْ عُنُقي بِسِكِّينِكم البَارِدْ. وأنا الطَّيْرُ الذَّبيحُ أجْلِسُ بَيْنَكُمْ. لا تَقْنَعونَ بِغَيْرِ اقْتِضَاءِ دَيْنِكم كامِلاً، لآخِرِ قَطْرَةٍ من دَمي وآخِرِ نَفَسٍ في جَسَدي، لِكَيْ تُمَصْمِصوا شِفَاهَكُم وأنتم تتَرَحَّمون عَلَيّ. لا أريدُ جَنَّتَكُمْ. فَلَسْتُمْ وُسَطَاءَ بيني وبين اللَّه. لَقَد بَلَغْتُ جَنَّتي. لكنَّني قايَضْتُ عليْها بِنَظْرَةِ الحِيتَانِ في عيونِكم المَيِّتَة ووجوهِكم البَليدة.

 

يَقولُ مَنْ رآه في ذلك اليَوْمِ أنَّه ـ بَعْدَانْقِضَاءِ الصَّلاةِ ـ خَرَجَ من الجَامِعِ مُهَرْوِلاً مِثْلَ هِرٍّ اشْتَعَلَت النَّارُ في ذَيْلِه. قَطَعَ الطَّريقَ بَيْن الخِرْبِتَاوي والأنْصَاري رَكْضاً، لا يُلْقي سَلاماً ولا يَرُدُّ تَحِيَّةً، حَتَّى بَلَغ بَابَ الدَّارِ فَراحَ يَدُقُّ عَلَيْه بِقَبْضَتِه دَقَّةَ مَلْهوفٍ يَطْلُبُ الغَوْث. كانت هي التي فَتَحَتْ له البَابْ. تَلَقَّتْه بِعَيْنَيْن تَتَوثَّبُ فيهما الفَرْحَةُ ووَجْهٍ في حُمْرَةِ الوَرْد. وهو ـ الطَّيْرُ الدَّائخُ ـ يَكادُ قَلْبُه يَسْقطُ تَحْتَ قَدَمَيْه. لَوْ تَعْرفُ كَمْ سَيَظَلُّ مُمْتَنّاً لتِلْكَ النَّظْرَة..!! لَمْ يَكُنْ سَرَاباً ـ إذَنْ ـ ولا أبَاطيلَ ولا بَرْقاً بِغَيْرِ مَطَرْ. كانَ حَقّاً وصِدْقاً ومَاءً زُلالاً وغَيْمَةً سَخِيَّةً أمْطَرَتْ على قَلْبِِه فاخْضَرَّ وامْتَلأ بِنُسْغِ الحَياة، هو الثَّمَرَةُ التي خَاسَتْ وتَعَفَّنَتْ على غُصْنها المَيِّتِ أيَّامَ الفِراقْ.

 

بَعْدَ أنْ التَقَطَ أنْفَاسَه اللاَّهِثَةَ ـ من طولِ الرَّكْض ـ تَنَهَّدَ بارْتِيَاحٍ وهو يَرْشُفُ المَاءَ مِنْ يَدِ حَبَّةِ القَلْبِ، ومالَ على أُذُنِ فَرْدوسْ ـ الجالِسَةِ إلى جِوارِه على المَصْطَبَة تتأمَّلُه في صَمْت ـ وقَالَ بِصَوْتٍ مَهْموسٍ ورأْسٍ مُطْرَقٍ خَجَلاً:

 

ـ إبْعَتي هاتي المَأذون.. يا فَرْدوسْ..

 

وأَرْدَفَ وهو يَبْلَعُ رِيقَه:

 

ـ وابْعَتي للشَّيخ يوسف.. وسَعْد النَّشَّارْ.. يِشْهدوا على العَقْد

 

قَبْلَ أنْ يُكْمِلَ عِبَارَته كانت عِنِيتْرَة قد نهَضَتْ ـ بِوَجْهٍ مُصْطَبِغٍ بِلوْنِ الدَّمِ وخُطىً مُتَعِثِّرة ـ وتَوارَتْ عن الأنْظارْ. وقَبْلَ أن يَرْفَعَ عَيْنَيْه كانت زَغْرودَةٌ قد انطلَقَتْ عالِيَةً مُجَلْجِلَة من فَمِ فَرْدوسْ، كأنَّها كانتْ حاضِرَةً على طَرفِ لِسَانِها. زَغْرودَةٌ ارْتَجَفَ لها قَلْبُه وأسْمَعَ دَوِيُّها القَاصي والدَّاني من أهْلِ الخُوخَة. ومَنْ يَدْري..؟ لَعَلَّ صَدَاها يَتَرَدَّدُ الآنَ عِندَ الخِرْبِتَاوي..!!                

 



·  الخُوخَة: زِقاقٌ ضَيِّق 

 








اتصل بنا